فصل: سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء **


 سنة سبع عشرة وخمسمائة

في غرتها عمل برسم أول العام ثم حزن عاشوراء فالمولد الآمري على ما جرى به الرسم‏.‏

وخلع على المؤتمن سلطان الملوك نظام الدين أبي تراب حيدرة أخي الوزير المأمون بدلة مذهبة خاص من لباس الخليفة وطوق ذهب وسيف ذهب بغير منطقة وشرف بتقبيل يد الخليفة في مجلسه وسلم إليه تقليد في لفافة مذهبة بولاية الإسكندرية والأعمال البحرية وشدت له الأعلام القصب والفضة والعماريات وحمل بين يديه الأكياس برسم التفرقة‏.‏

وحجبه الأمراء والأستاذون وقبل أبواب القصر ومضى إلى داره وأطلق له من ارتفاع ثغر الإسكندرية على الولايتين في الشهر خمسمائة دينار‏.‏

وثار اللواتيون وغيرهم بالصعيد الأدنى وقتلوا زين الدولة علي بن تراب الوالي وعاثوا في البلاد وأفسدوا‏.‏

فخرج إليهم المؤتمن أخو الوزير وتاج الدولة بهرام زنان الأرمن في عدة وافرة فانهزموا بين يديه وأحاط بما خلفوه من المواشي‏.‏

وبلغه نزول مراكب الروم والبنادقة وهي بضع وعشرون مركبا على الإسكندرية فبادر إليها المؤتمن فلما شاهده العدو أقلع فأخذ منهم عدة قطع‏.‏

وقدم على المؤتمن مشايخ اللواتيين والتزموا بحمل ثلاثين ألف دينار في نظير جنايتهم وأن يعفى عنهم فأجابهم الوزير إلى ذلك وحمل المال مع الرهائن‏.‏

وكان المؤتمن لما قدم إلى الثغر خيم بظاهره وقبل من القاضي مكين الدولة أبي طالب أحمد بن الحسن بن حديد بن أحمد بن محمد بن حمدون المعروف بابن حديد متولى الأحكام والإشراف بها ما حمله إليه على حكم الضيافة ثلاثة أيام ثم أمره بإنفاقها بعد ذلك إلا ما يقتضيه رسمه خاصة‏.‏

وأظهر كتاب أخيه الوزير بأن الغلال بالثغر وأعمال البحيرة كثيرة وكذلك الأغنام مع قطيعة العربان فمهما دعت الحاجة إليه برسم أسمطة العساكر يحمل ويساق وتكتب به الوصول على ما جرت به العادة‏.‏

وأمره ألا يقبل من أحد من التجار ضيافة ولا هدية‏.‏

وأظهر كتاباً آخر إلى مكين الدولة بأن يطلق في كل يوم من ارتفاع الثغر من العين ما يبتاع به جميع ما يحتاج إليه من الأصناف برسم الأسمطة للعساكر‏.‏

وكان يستخدم عليها من يراه من الشهود‏.‏

وكان تجار الثغر قد حملوا ثلاثة آلاف دينار فأبى المؤتمن قبولها وأمر بإعادتها إلى أربابها فأخذ مكين الدولة يتلطف في أن يكون عوض ذلك طرفاً وطيبا فأقسم أنه لا يقبل منهم شيئا‏.‏

واستمرت الأسمطة في كل يوم ولم يقبل لأحد هدية‏.‏

واتفق أن المؤتمن وصف له الطبيب دهن شمع والقاضي مكين الدولة حاضر فأمر في الحال بعض غلمانه بالمضي إلى داره ليحضر الدهن المذكور فلم يكن أكثر من مسافة الطريق حتى أحضر صراً مختوماً فك عنه فوجد فيه منديل لطيف مجاوم مذهب على مداف بللور فيه ثلاث بيوت كل بيت عليه قتد ذهب مشبكة مرصعة بياقوت وجوهر بيت دهن بمسك وبيت دهن بكافور وبيت دهن بغير طيب ولم يكن فيه شيء مصنوع لوقته‏.‏

فلما رآه المؤتمن والحاضرون عجبوا من علو قيمة القاضي وجليل رئاسته وسعة نفسه وحلف القاضي الحرام إن عاد إلى ملكه‏.‏

فقال المؤتمن قد قبلته منك ليس لحاجة إليه ولا نظر في قيمته بل لإظهار هذه الهمة وإذاعتها‏.‏

وذكر أن قيمة المداف المذكور خمسمائة دينار‏.‏

وخلع المؤتمن على القاضي بذلة مذهبة بطيلسان مقور وثياب حرير وقدم له دابة بمركب حلى ثقيل ثم خلع عليه في اليوم الثاني والثالث كذلك‏.‏

وخلع على أخيه حلتين مكللتين مذهبتين ورزمة فيها شقق حريرية مما يختص بالنساء‏.‏

وأنعم على كل من حواشيه وأصحابه‏.‏

وعاد إلى القاهرة فمدحه عدة من الشعراء‏.‏

وورد رسل ظهير الدين طغتكين صاحب دمشق وآق سنقر صاحب حلب بالحث على غزو الفرنج وكبيرهم علي بن حامد الحاجب‏.‏

فلما وصلا باب الفتوح ترجلا وقبلاه ومشيا إلى أبواب القصور ففعلا مثل ذلك وأوقفا عند باب البحر قدر ما جلس الخليفة‏.‏

فجهز عسكر في البر مقدمه حسام الملك النرسي وسار الأسطول في أربعين شينياً فوصلوا إلى عسقلان وخرجت الغارات وعادت بالغنيمة‏.‏

فاجتمعت طوائف الفرنج وكتب إلى حسام الملك أن يقيم بالثغر ويلقى الفرنج عليه ولا يتعداه فخالف ذلك وتوجه مخفاً بغير ثقل ونزل على يافا فقتل وأسر‏.‏

فعندما قصده الفرنج رحل وهم يتبعونه حتى وافى تبنى فلقيهم هناك فانهزم العسكر من غير قتال وقتل الراجل بأسره وعاد من بقي مهزوما إلى عسقلان‏.‏

ووصل الخبر بذلك فأهم الآمر والمأمون واشتد الحنق على حسام الملك لسوء تدبيره فآل أمره بعد أمور إلى أن قتل‏.‏

فيها خرج أمر المأمون إلى الواليين بمصر والقاهرة بإحضار عرفاء السقائين وإلزام المتعيشين منهم بالقاهرة بحضورهم متى دعت الحاجة إليهم ليلاً ونهاراً‏.‏

ولذلك ألزم أصحاب القرب وتقرر أن يبيتوا على باب المعونة ومعهم عدة من الفعلة بالطواري والمساحي وأن يقوما لهم بالعشاء من أموالهما‏.‏

وعمل بعض التجار لابنته فرحا في إحدى الآدر المعروفة بالأفراح فتسور ملاك الدار على النساء وأشرفوا عليهن والعروس في المجلى فأنكر عليهم ذلك فأساءوا وأفسدوا على الرجل ما صنعه فخرج مستغيثا فخشوا عاقبة فعلهم فما زالوا به حتى كف عن شكواهم‏.‏

فلما حضر والي مصر بالمطالعة في الصباح إلى الوزير على عادته قيل له‏:‏ لم لا ذكرت في مطالعتك ما جرى للتاجر الذي عمل فرح ابنته فاعتذر بأن المرسوم له ألا يذكر ما يخرج عن السلامة والعافية ولم يتصل به ما جرى في الفرح‏.‏

فأسمعه ما أمضه وبين عجزه وتقصيره وقال له والسلامة والعافية فرسم بإحضار شاهدين ومهندسين وتوجهوا إلى سائر الدور المختصة بالأفراح وإحضار ملاكها فمن رغب في استمرار ملكه على حاله فليزل التطرق إليه ويكتب عليه حجة بالقسامة بذلك‏.‏

ومن لم يرغب فلتؤخذ عليه الحجة بألا يوجد ملكه للأفراح ويتصرف فيه على ما يريد‏.‏

فامتثل ذلك‏.‏

وجرى الرسم في عمل المولد الكريم النبوي في ربيع الأول على العادة‏.‏

وكتب لجميع الأعمال خلا قوص وصور وعسقلان بمطالعة كل وال منهم في مستهل كل شهر بمن حواه السجن والموجب لاعتقاله ويبين كل منهم ذلك ويعتمد فيه الحق‏.‏

وسبب ذلك أنه رفع إلى المأمون أن بعض الولاة يعتقل من لا يجب عليه اعتقال لطلب رشوة فتطول مدته‏.‏

وفيه قرر برسم رش ما بين البلدين مصر والقاهرة في كل يوم من اليومين اللذين يركب فيهما الخليفة مما يصرف للسقائين دينار واحد فاستمر ذلك يطلق لهم إلى الأيام الحافظية‏.‏

وكان سبب إطلاق هذا القدر أنه رفع للوزير المأمون أن واليي القاهرة ومصر يأخذان جميع السقائين أرباب الجمال والدواب لرش ما بين البلدين سخرةً بغير أجرة‏.‏

وفي جمادى الآخرة أعيد ثغر صور إلى ظهير الدين طغتكين صاحب دمشق وكتب له بذلك وفخم فيه وعظم ونعت بسيف امير المؤمنين وجهزت إليه الخلعة وهي بدلة طميم منديلها طوله مائة ذراع شرب فيه ثمانية وعشرون ذراعا مرقومة بذهب عراقي وثوب طميم جميعه برقم ذهب عراقي سلف المنديل والثوب ألف دينار وثوب دبيقي وسطاني وثوب سقلاطون داري وثوب عتابي وشاشية دبيقي ولفافة وجميع ذلك في تخت مبطن عليه لفافة دبيقي وغير ذلك من الكساوى برسم نسائه وأصحابه‏.‏

وجهز الأمين الدولة جمشتكين صاحب صلخد بذلة مذهبة ومنديلها وعدة ثياب وغيرها‏.‏

في شعبان وصلت الأساطيل بمن فيها سالمين وقد غنموا شينيين من شواني الفرنج وبطشة كبرى وعدة من النساء والرجال‏.‏

وذكر للمأمون أن الأسرى المذكورين يؤخذ منهم في الفداء ما يزيد عن عشرين ألف دينار عينا فقال‏:‏ والله لا أبقي منهم أحدا قد قتل لنا خمسمائة رجل يساوون مائة ألف وقد أظفر الله بما يكون ديةً عنهم لا يشاع عنا أنا بعنا الفرنج وربحنا أثمانهم عوضا عن رجالنا‏.‏

وركب الخليفة بما جرت به العادة واصطفت العساكر بالعدد والأسلحة وعاد وخلع على الأمراء وعلى زمام الأسطول والرؤساء‏.‏

وحضرت الحجاب المندوبين لقتل الفرنج بأنهم لما شاهدوا الحال بذلوا في خلاص أنفسهم ثلاثين ألف دينار وأنه يرجى منهم أكثر من ذلك فكتب الجواب بالإنكار وإمضاء السيف فيهم فقتل الرجال بأسرهم وقد اجتمع الناس وضجوا بالتهليل والتكبير عند قتلهم فكان أمراً مهولاً‏.‏

وقد ذكر هذا اليوم عدة من الشعراء‏.‏

وجرى الرسم في أسمطة شهر رمضان والركوب إلى الجمع وفي كسوة غرة شهر رمضان على العادة‏.‏

وفيه سير هلال الدولة سواراً رسولاً إلى حرة اليمن وصحبته برسمها من التشريف مما لبسه الخليفة وما زج عرقه من الحلل المذهبات والملاءات الشرب المذهبة والشقق النفوسى والمغربي المقصور والإسكندراني المطرز جملة كثيرة في تخوت مدهونة مبطنة وسلال مملوءة من لحم الناقة التي نحرت بالمصلى واثنى عشر مجلساً من المساطير التي تقرأ كل خميس وعليها علامة الخليفة وكثير من النحاس القضيب والمرجان‏.‏

وكتب إليها كتابا في قطع الثلثين أوله‏:‏ من عبد الله ووليه المنصور أبي علي الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين ابن الإمام المستعلى بالله أمير المؤمنين صلى الله عليهما إلى الحرة الملكة السيدة الرضية الطاهرة الزكية وحيدة الزمن سيدة ملوك اليمن عدة الإسلام خالصة الإمام نصيرة الدين عصمة المسترشدين كهف المستجيرين ولية أمير المؤمنين وكافية أوليائه الميامين أدام الله تمكينها ونعمتها وأحسن توفيقها ومعونتها‏.‏

وفي آخره‏:‏ وأمير المؤمنين متطلع إلى علم أخبارك ومعرفة أنبائك فتواصلى بإنهاء المتجدد منها إن شاء الله‏.‏

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته‏.‏

ويطوى مدوراً ويختم بحرير وأشرطة ذهب وعنبر ويجعل في خريطة‏.‏

فيه قرئ بالجامع العتيق منشور نسخته بعد التصدير‏:‏ بأننا لم نزل منذ ناطت بنا الحضرة المطهرة صلوات الله عليها الأمور وعولت على كفايتنا في سياسة الجمهور وردت إلينا النظر فيما وراء سرير خلافتها وفوضت إلى إيالتنا من مصالح دولتها وعبيدها ورعيتها في محاسن الأقعال ناظرين وعلى بسط العدل والإحسان على الكافة متوفرين وبحسن توفيق الله تعالى لنا واثقين وبمراشده الهادية مسترشدين فلا ندع وجهاً من دعوة البر إلا قصدناه ولا باباً من أبواب الخير إلا ولجناه ولا نعلم أمراً فيه قربى إلى الله سبحانه إلا وتقع المرتبة إلا أتيناه ولا شيئاً يعود بثواب الله وحسن الأحدوثة إلا اعتمدناه شيمة خصنا الله تعالى بميزتها وسجية أسبغ علينا جلاليب أمنها وسعادتها وعملاً في ذلك بشريف آراء الحضرة المطهرة صلوات الله عليها وجميل سيرتها واستمراراً على منهج الدولة الزاهرة خلد الله ملكها وكريم عادتها وذهاباً في ذلك مع سجيتها الحسنى ونشراً لأرج ذكرها في الأبعد والأدنى‏.‏

والله تعالى المسئول أن يعيننا على مصالح الدنيا والدين ويقضى لنا بالفوز المبين ويصلح لنا وبنا كل فاسد وينظم لنا عقود السعود والمحامد بمنه‏.‏

ولما كان أحسن ما تطرز به محاسن السير وتتناقل ذكره ألسنة البدو والحضر وتجنى ثمرته في الدنيا والآخرة وتحمد مغبته في العاجلة والآجلة التقرب إلى الله تعالى في كل أوان وابتغاء ثوابه في كل زمان لا سيما شهر رمضان الذي تزكوا فيه أفعال البر والصلاح وتتضاعف فيه الحسنات في الغدو والرواح رأينا ما خرج به أمرنا من كتب هذا المنشور بمسامحة كافة سكان الرباع السلطانية بالقاهرة ومصر من الأدر والحمامات والموانيت والمعاصر والأخونة والطواحين والعرس وجميع ما يجري في الرباع خارجاً من ريع الأحباس وريع المواريث المنصرف مستخرج ارتفاعها فيما يجري هذا المجرى من وجوه البر بأجرة شهر رمضان من كل سنة لاستقبال رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة وما بعدها إحسانا يسير ذكره كل مسير وتعظيماً‏.‏

لحرمة هذا الشهر العظيم الخطير الذي فضله الله على جميع الشهور وأنزل فيه قرآنه المجيد وفرض صيامه على أهل التوحيد وحضهم فيه على الأفعال المزلفة لديه ووعد من عمل فيه خيراً بمضاعفة الجزاء عليه‏.‏

فليعتمد العمل بما تضمته هذا المنشور وحطيطة أمره شهر رمضان عن جميع سكان الربع المذكور لاستقبال التاريخ المقدم منسوباً ذلك إلى القرب الصالحة والتجارة الرابحة ويفسح في جميع الدواوين حجة بمودعه وليجلد بالمسجد الجامع العتيق بمدينة مصر منعاً لمن يروم المطول فيه أو يفض شيئا فلما قرئ هذا المنشور ضج العامة بالدعاء ونظم فيه عدة من الشعراء وجرى الرسم في وصول كسوة العيد وهي العدة الكثيرة وتفريقها على العادة‏.‏

وعمل الختم في آخر الشهر بالقصر والجوامع والمساجد وحصل الاهتمام بالعيد وركب الخليفة إلى المصلى على العادة وصلى بالناس صلاة العيد وخطب وحضر السماط‏.‏

وجرى الحال في يوم عاشوراء وفي المولد الآمري على المألوف‏.‏

فيه كان المولد العيسوي ففرق ما جرت به العادة من الجامعات القاهرية والجامات السميذ وقرابات الجلاب وطيافير الزلابية والبورى على أصحاب الرسوم‏.‏

وعمل في شهر ربيع الأول المولد الكريم وفرق المال على الرسم‏.‏

وفيها وصل رسول الأمير تاج الخلافة أبي منصور حسن بن علي بن يحيى بن تميم بن معز ابن باديس صاحب المهدية يخبر بانحيازه للدولة وأن رجار بن رجار صاحب صقلية تواصلت أذيته وقد استعد لمحاربته وسأل أن يسير لرجار يمنعه من ذلك‏.‏

فسير إليه مصطنع الدولة علي بن أحمد بن زين الخد فأصلح بينهما‏.‏

وفيها نقل المأمون الرصد من الجبل المطل على راشدة إلى علو باب النصر بالقاهرة‏.‏

وفيها توفى ولي الدولة أبو البركات بن عبد الحقيق داعي الدعاة فاستقر عوضه أبو محمد حسن بن آدم وكان يدعى بالقاضي لأبوته وسنه واشتهاره بالعلم‏.‏

فبعث الآمر بأحكام الله إلى الوزير المأمون أن يستخدم أبا الفخر صالحاً فذكر المأمون أن أكثر المجالس التي كانت تعمل في أيام النعمان بخط أبيه وأن أبا الفخر حدث السن ولا يماثل المذكور في العلم وأضيف إليه الخطابة بالجامع الأزهر مع قراءته الكتب‏.‏

وورد الخبر بأن الفرنج افتدوا بغدوين رويس الملك بثمانين ألف دينار وثلاثين أسيراً من المسلمين‏.‏

وكان صاحب حلب قد أسره في وقعة له مع الفرنج‏.‏

وعمل ما جرى به الرسم في مواسم السنة‏.‏

وفيها جرت عمارة سور الإسكندرية‏.‏

وفيها حمل إلى عسقلان ثلاثة وعشرون ألفا وستمائة وأحد وثلاثون إردبا من الغلال‏.‏

 سنة ثمان عشرة وخمسمائة

فيها ملك الفرنج مدينة صور واستمرت بأيديهم حتى زالت الدولة الفاطمية‏.‏

وكان أخذهم إياها بعد محاصرتها مدة وتقاصر المأمون عن نجدتهم وأعانهم طغتكين صاحب دمشق ووصل إلى بانياس وراسل الفرنج فاستقر الأمر على أن الفرنج تستولي عليها بالأمان فخرج أهلها بما خف حمله وتفرقوا في البلاد‏.‏

وكان تملكهم لها في يوم الاثنين ثالث عشري جمادى الآخرة‏.‏

وفيها أمر ببناء دار واسعة ليتفرج الناس فيها عند كسر خليج القاهرة بالكراء‏.‏

وذلك أن الناس عند كسر الخليج كانوا يصنعون أخشاباً متراكبةً بعضها على بعض يجلسون فوقها للتفرج يوم كسر الخليج ولم يكن هناك غير دار الأمير أبي عبد الله محمد بن المستنصر ودار ابن معشر‏.‏

ولم تزل هذه الأدر الثلاثة إلى أن احترقت في نوبة شاور‏.‏

فيها مات بألموت الحسن بن صباح كبير الإسماعيلية وقد تقدم أنه ورد مصر في أيام المستنصر وسار إلى المشرق بدعوته واستولى على قلعة ألموت واعتقد إمامه نزار بن المستنصر وأنكر إمامة المستعلى وإمامة الآمر‏.‏

وانتدب عدة لقتل الأفضل ابن أمير الجيوش فلما تقلد المأمون البطائحي وزارة الآمر بعد قتل الأفضل بلغه أن ابن صباح والباطنية فرحوا بموت الأفضل وأنهم تطاولوا لقتل الآمر والمأمون وأنهم بعثوا طائفةً لأصحابهم بمصر بأموال‏.‏

فتقدم المأمون إلى والي عسقلان بصرفه وإقامة غيره وأمره بعرض أرباب الخدم بها وألا يترك فيها إلا من هو معروف من أهل البلاد وأكد عليه في الاجتهاد والكشف عن أحوال الواصلين من التجار وغيرهم وأنه لا يثق بما يذكرونه من أسمائهم وكناهم وبلادهم بل يكشف من بعضهم عن بعض ويفرق بينهم ويبالغ في الاستقصاء‏.‏

ومن يصل ممن لم تجر عادته بالمجيء إلى البلاد فليعوقه بالثغر ويطالع بحاله وما معه من البضائع ولا يمكن جمالاً من دخول مصر إلا أن يكون معروفا متردداً إلى البلاد ولا يسير قافلة إلا بعد أن يتقدم كتابه إلى الديوان بعدة من فيها وأسمائهم وأسماء غلمانهم وأسماء الجمالين وذكر أصناف البضائع ليقابل بها في مدينة بلبيس وعند وصولهم إلى الباب وأنه يكرم التجار ويكف الأذى والضرر عنهم‏.‏

ثم تقدم المأمون إلى والي مصر ووالي القاهرة بأن يصقعا البلدين شارعاً شارعاً وحارةً حارةً وزقاقاً زقاقاً وخطاً خطاً ويكتبا أسماء سكانها ولا مكنا أحداً من النقلة من منزل إلى منزل حتى يستأذناه ويخرج أمره بما يعتمد في ذلك‏.‏

فمضيا لذلك وحررا الأوراق بأسماء جميع سكان القاهرة ومصر وذكر خططهما والتعريف بكنية كل واحد وشهرته وصناعته وبلده ومن يصل إلى كل خط وحارة من الغرباء‏.‏

فلما عرف ذلك المأمون انتدب نساء من أهل الخبرة والمعرفة للدخول إلى جميع المساكن والاطلاع على أحوال ساكنيها الباطنية ومطالعته بجميع ما يشاهدنه فيها فكانت أحوال كافة الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين أجناسهم من ساكني مصر والقاهرة تعرض عليه ولا يكاد يخفى عنه منها شيء ألبتة‏.‏

فامتنع لذلك الباطنية مما كانوا قد عزموا عليه من الفتك بالآمر وبالمأمون لكفهم ثم إنه مع ذلك أركب العسكرية وفرقهم في جهات البلدين وأمرهم بالقبض على جماعة عينهم فقبض على جماعة كثيرة منهم رجل كان يقرئ أولاد الخليفة الآمر ومنهم رسل كان ابن صباح قد سيرهم بمال لينفق على من بمصر ممن يرى رأيهم‏.‏

فكان هذا معدوداً من عظيم الحزم وقوة التدبير‏.‏

ومع ذلك كان له القصاد والجواسيس وأصحاب الخبر في كل قطر فإذا خرج الباطني من قلاع ألموت لا تزال أخباره ترد عليه شيئاً بعد شيء منذ يخرج من مكانه حتى يرد بلبيس فيسير إليه من ينقض عليه في مكانه الذي نزل فيه ويأتيه به فيقتله‏.‏

وصار من أجل ذلك وبسببه يرد عليه أخبار كل جليل وحقير من سائر مملكته حتى كان يرى ويسمع كل ما يتفق في ليل أو نهار‏.‏

وامتنع من الباطنية إلى أن مات رئيسهم الحسن بن صباح بعد ما ملك من الشام جبل عاملة وحصن العليق والكهف ومصياث والخوابي وحصن الأكمة وقلعة العيدين ثم امتدت مملكته بعد موته إلى حد شرقي آذربيجان وبحر طبرستان وجرجان‏.‏

 سنة تسع عشرة وخمسمائة

فيها قبض الخليفة الآمر على وزيره المأمون في ليلة السبت لأربع خلون من شهر رمضان وقبض على إخوته الخمسة مع ثلاثين رجلاً من أهله وخواصه واعتقله‏.‏

فوجد له سبعون سرجا من ذهب مرضع ومائتا صندوق مملوءة كسوة بدنه‏.‏

ووجد لأخيه المؤتمن أربعون سرجا بحلى ذهب وثلثمائة صندوق فيها كسوة بدنه ومائتا سلة ما بين بلور محكم وصيني لا يقدر على مثلها ومائة برنية مملوءة كافور قنصوري ومائة سفط مملوءة عوداً ومن ملابس النساء ما لا يحد‏.‏

حمل جميع ذلك إلى القصر وصلبه مع إخوته في سنة اثنتين وعشرين‏.‏

ويقال إن سبب القبض عليه أنه بعث إلى الأمير جعفر بن المستعلى أخي الآمر يعزيه بقتل أخيه الخليفة ووعده أنه يعتمد مكانه في الخلافة فلما تعذر ذلك بينهما بلغ الشيخ الأجل أبا الحسن علي بن أبي أسامة كاتب الدست وكان خصيصا بالآمر قريبا منه وكان المأمون يؤذيه كثيرا‏.‏

فبلغ الخليفة الحال وبلغه أيضا أن بلغ نجيب الدولة أبا الحسن إلى اليمن وأمره أن يضرب السكة ويكتب عليها‏:‏ الإمام المختار محمد بن نزار‏.‏

ويقال إنه سم مبضعاً ودفعه لفصاد الخليفة فأعلم الفصاد الخليفة بالمبضع‏.‏

ومولده في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة وقيل في سنة تسع‏.‏

وكان من ذوي الآراء والمعرفة التامة بتدبير الدول كريما واسع الصدر سفاكا للدماء شديد التحرز كثير التطلع إلى أحوال الناس من الجند والعامة فكثر الواشون والسعاة بالناس في أيامه ويقال إن أباه كان من جواسيس الأفضل بالعراق وأنه مات ولم يخلف شيئا فتزوجت أمه وتركته فقيرا فاتصل بإنسان يعلم البناء بمصر ثم صار يحمل الأمتعة بالسوق بمصر وأنه دخل مع الحمالين يوما إلى دار الأفضل فرآه خفيفاً رشيقاً حسن الحركة حلو الكلام فأعجب به فاستخدمه مع الفراشين بعد ما عرف بأنه ابن فلان فلم يزل يتقدم عنده حتى كبرت منزلته وعلت درجته‏.‏

وهذا ليس بصحيح فإنه من أجناد المشارقة وقد تقدم أن أباه مات في زمن الأفضل بعد ما ترقت أحول ولده وأنه كان ممن يعد من أماثل أهل الدولة‏.‏

ورثى بعدة قصائد‏.‏

وتقدم أن المأمون كان ممن يخدم المستنصر وأنه الذي لقبه بالمأمون‏.‏

على أن المشارقة زادوا في التشنيع وذكروا أنه كان يرش الماء بين القصرين وكل ذلك غير صحيح‏.‏

وكان المأمون شديد المهابة في النفوس وعنده فطنة تامة وتحرز وبحث عن أخبار الناس وأحوالهم حتى إنه لا يتحدث أحد من سكان القاهرة ومصر بحديث في ليل أو نهار إلا ويبيت خبره عند المأمون ولا سيما أخبار الولاة وعمالهم‏.‏

ومشت في أيامه أحوال البلاد وعمرت وساس الرعايا والأجناد وأحسن سياسته إلا أنه اتهم بأنه هو أقام أولئك الذين قتلوا الأفضل وأعدهم له وأمرهم بقتله ليجعل له بذلك يداً عند الخليفة الآمر ولأنه كان يخاف أن يموت الأفضل فيلقى من الآمر ما يكرهه لأنه كان أكبر الناس منزلةً عند الأفضل ومتحكما في جميع أموره‏.‏

وكان مع ذلك محببا إلى الناس لكثرة ما يقضيه من حوائجهم ويتقرب به من الإحسان إليهم ويأخذ نفسه بالتدبير الجيد والسيرة الحسنة بحيث لو قدر موته لزار الناس قبره تبركاً به‏.‏

واتهم أيضا بأنه هو الذي قتل أولاد الأفضل وأولاد أخيه الأوحد وأولاد أخيه المظفر وكانوا نحو مائة ذكر ما بين كبير وصغير فقتلوا بأجمعهم ولم يبق منهم سوى صغير نحيف يسمى أحمد أبا علي ويلقب بكتفيات فيقال إنه احتقره لما كان يرى فيه من العي والانقطاع فكان منه ما يأتي خبره إن شاء الله تعالى‏.‏

واتهم أيضاً بقتل الأمير حسام الملك أفتكين صاحب الباب في أيام الأفضل لتخوفه منه وذلك أن حسام الملك دخل مرة على الآمر للسلام فلما خرج قال الآمر‏:‏ والله إنك لأمير حسن فإنه كان جميلا تام القامة وفيه عجب وتيه‏.‏

فبلغ ذلك المأمون فقامت قيامته وأخذ في العمل عليه حتى أخرجه في العساكر التي يقال إن عدتها عشرون ألفاً فكان من خبره على عسقلان مع الفرنج ما كان وقتل من أصحابه يومئذ ما يزيد على عشرة آلاف وعاد حسام الملك فبعثه إلى الإسكندرية ودس عليه من قتله‏.‏

قال ابن الطوير‏:‏ ولما دفن الأفضل استعمل الآمر هذا الرجل وكان يخاطب بالقائد من خدمة الأفضل في الوساطة دون الوزارة ونعته بجلال الإسلام‏.‏

واستمر على ذلك ثم كمل له الوزارة وخلع عليه خلعة الوزارة إلا الطيلسان المقور فباشرها وكان متيقظاً قد حذق الأمور ودربها من صحبة الأفضل وطول خدمته إياه‏.‏

وكان بالدار التي بالسيوفيين بالقاهرة وهي اليوم مدرسة للحنفية وأخذ يصب على تغلب الأفضل مع الآمر فصار يتغلب على الآمر في واحدة بعد واحدة من الجفاء والإقدام والآمر يملى له ويحتمله حتى استوحش كل منهما من الآخر‏.‏

وكان له أخ ينعت بالمؤتمن أبي تراب حيدرة فرأى من الرأي أن يولي أخاه جانباً عظيما من ديار مصر ويجعل معه عسكر النجدة ردءاً إذا قصده الخليفة بضرر فإنهما دام أخوه يكون حاميا له فيكون هو من داخل وأخوه من خارج‏.‏

وجرد معه مائة فارس من شدة الأجناد وكبرائهم وأضاف إليهم أمثالهم مثل علي بن السلار وتاج الملوك قايماز وسيف الملك الجمل ودرى الحرون وحسام الملك بسيل وكل واحد من هؤلاء جيش بمفرده والخليفة يعلم ذلك ولا يرده عليه‏.‏

وزاد في معناه حتى قيل إن الخليفة اطلع على أنه ادعى الخلافة وأنه من ولد نزار من جارية خرجت من القصر وهي حامل عندما خرج نزار إلى الإسكندرية فانزعج الخليفة لذلك‏.‏

ثم إنه سير إلى اليمن الموفق علي بن نجيب الدولة وكان من أهل الأدب فصيحاً داهية ليحقق لنسبه هناك ويدعو الناس إلى بيعته فلما قيل للآمر هذا ما شك فيه وأخذ يتحيل في الإيقاع به بعد عود أخيه من ولايات الإسكندرية والغربية والبحيرة والجزيرتين والدقهلية والمرتاحية فاختلق الآمر قضية يلتمسها من الإسكندرية وهو مقيم بها فسير أستاذاً من ثقاته ظاهره فيما ندبه إليه وباطنه في العلم على المأمون وأخيه وقال له‏:‏ أحرص على اجتماعك بعلي ابن السلار في المسايرة وسلم عليه عنا وقل له وقل له إننا ما زلنا نلتفت إليه وندخره لمهماتنا ونتحقق فيه الموافاة لنا وإنا بحمد الله قادرون على المكافأة بالخير أكثر من غيرنا وقد تلونت أحوال المأمون وبالغ في عقوقنا بأشياء لا يتسع لها ذكرنا‏.‏

ومقصودنا أن تكتم عنا ما نقول لك‏.‏

فلما بلغه الأستاذ ذلك عن الآمر قال‏:‏ السمع والطاعة لمولانا وأنا مملوكه وأذل نفسي في خدمته‏.‏

فقال الأستاذ‏:‏ هكذا والله قال عنك‏.‏

قال ابن السلار‏:‏ فما يأمر به قال‏:‏ تحد رجالك بأجمعهم في الانفصال عن المؤتمن أنت ومن تثق به‏.‏

فلما تقرر ذلك اتفق علي بن السلار وهو وقايماز ودرى الحرون وكانوا أمراء الجماعة فتفرقوا عنه وتبعهم الباقون فانفرد المؤتمن واستوحش وكاتب أخاه المأمون بذلك فما اتسع له أن يتتبع الأمراء ولا ينكر عليهم ليرجعوا إلى أخيه لعلمه بتغير الخليفة عليه مخافة أن يفسد أمره ظاهرا وباطنا‏.‏

فحضر إلى الخليفة يوم سلام على عادة الوزراء وتقدم وقال‏:‏ يا مولانا صلوات الله عليك وصل كتاب أخي يتذمم من طول مقامه خارج القاهرة وأسفه على ما يفوته من خدمة مولانا بالمباشرة ويسأل الفسحة له في العودة إلى بابه الكريم فقال‏:‏ مرحبا وأهلا وهذا كان رأينا ونحن مشتاقون إليه وإنما قصدنا رضاك فيما رتبته له‏.‏

يقدم على بركة الله‏.‏

فكوتب عن الخليفة بالعود وأن يرتب في ولاياته من يرضاه‏.‏

فامتثل ذلك‏.‏

ودخل القاهرة فجلس الخليفة له في غير وقت الجلوس فمثل بين يديه وأكرمه وأدناه وخلع عليه بالتشريف المفخم‏.‏

فلما دخل شهر رمضان وفيه السماط كل ليلة بقاعة الذهب ويحضر الوزير وإخوته وأصحابه فحضر المأمون وأخوه المؤتمن السماط أول ليلة فأكرمهما الآمر بما أخرجه لهما مما كانت يده فيه وأرسل رسالة إلى المؤتمن ليستأنس بحضوره السماط مع أخيه فلم يتسع لهما مع هذه المكارمة الانقطاع‏.‏

وحضرا ثاني ليلة فزاد في إكرامهما ثم أمر بأن يدخل المأمون لمؤاكلته خاصة دون أخيه فدخل إليه ولم يتقدمه أحد من الوزراء بمثل ذلك يعنى بهذه المنزلة‏.‏

وخرج هو وأخوه وأكد عليهما ألا ينقطعا وخلع عليهما من داخل الدار من الثياب الدارية‏.‏

ثم حضرا ثالث ليلة فاستدعى المأمون إلى الخليفة فلما جلس معه على المائدة قال قد جفونا المؤتمن واستدعاه فدخل وصارا في قبضته‏.‏

وكان قد رتب لهما من يأخذهما فعند خروجهما للمضي قبض عليهما واعتقلهما عنده في خزانة وسير بالحوطة على دورهما‏.‏

ثم أمر بإحضار الشيخ الأجل أبي الحسن بن أبي أسامة كاتب الدست لينشيء شيئاً في شأنهما يقرؤه على المنبر غداً فوجد الشيخ أبو الحسن بمصر لعيادة مريض فتقدم إلى والي القاهرة في الليل بأن يمضي إلى مصر لإحضاره‏.‏

فظن والي القاهرة أنه طلب لغير ذلك وكان يقال له سعد الدولة الأحدب فمضى إليه وأزعجه من مكانه وسبه أقبح سب وأراد إحضاره إلى القاهرة ماشياً‏.‏

فأحضره إلى الخليفة وهو ميت لا حراك به فقال له ما هذا فأخبره بقضيته مع الوالي فغضب على الوالي وأمر بخلع أخفافه من رجليه وصفعه بهما حتى تقطعا على قفاه وصرفه من الولاية‏.‏

وأطلع الشيخ أبا الحسن على قضية المأمون وأخيه فقال يا مولانا‏:‏ هما نشو أيامك ومماليك دولتك‏.‏

فقال لبعض الأستاذين خذ هذا الشيخ وصوبه إلى المذكورين لينظرهما في اعتقالهما وينقطع رجاؤه منهما‏.‏

فأدخله إليهما فرآهما مكبلين في الحديد وعليهما احتياط عظيم فأنشأ للوقت سجلاً كان من استفتاحه‏:‏ أما بعد فإن محمد بن فاتك استنجح فما نجح واستصلح فما صلح وجهل رفع قدره فغدا لهبوط وقابل الإحسان إليه بدواعي القنوط‏.‏

وكل ذلك في تلك الليلة‏.‏

فلما أصبح الصباح جلس الخليفة في الشباك بالإيوان ونصب كرسي الدعوة أمامه وطلع قاضي القضاة عليه وقرأه بعد اجتماع الأمراء وأرباب الرتب والعوام فلم ينتطح فيها عنزان‏.‏

ويقال إن الخليفة كان يقول‏:‏ أعظم ذنوبه عندي ما جرى منه في حق صور وإخراجها من يد الإسلام إلى الكفر‏.‏

وبقيا في الاعتقال هما وأميران اتهما في خزانة البنود‏.‏

وسير لإحضار الذي كان أنفذه المأمون إلى اليمن ليقتلهم جميعا‏.‏

وتفرغ الآمر لنفسه ولم يبق له فعل ولا مزاج وبقي بغير وزير‏.‏

وأقيم صاحبا ديوان الاستخراج بما يجب من زكاة ومقس أحدهما مسلم يقال له جعفر بن عبد المنعم بن أبي قيراط والآخر سامري يقال له أبو يعقوب إبراهيم وأقيم معهما مستوف لهاتين المعاملتين وكان راهبا فكانوا يستخرجون ذلك من أربابه ويدخل صاحبا الديوان إلى الآمر في كل وقت ومعهما المصحف والتوراة فيحلفان له أنهما لا يتعرضان إلا لمن يجب عليه لبيت المال حق‏.‏

فيحملها في ذلك على الصدق وربما اشتطا على الناس وزاد عليهم ما لا يجب زيادته فتأذى بسببهما جماعة والآمر لا يطلع على ذلك ولا أشاربه‏.‏

واستمرا على ذلك مديدة‏.‏

 سنة عشرين وخمسمائة

فيها جهز الآمر المنتضى بن مسافر الغنوي بخلع سنية وتحف مصرية وثلاثين ألف دينار للأمير البرسقي صاحب الموصل فلما كان في أثناء الطريق سمع بموته فرجع بما معه إلى الآمر‏.‏

وفيها قدم الأمير الرئيس مهران بن عبد الرحيم مصنف سيرة الفرنج الخارجين على بلاد الإسلام في هذه السنين برسالة من صاحب حلب‏.‏

وفي شوال كان بدء أمر الراهب‏.‏

وذلك أن راهباً من النصارى يعرف بأبي نجاح ابن فنا كتب إلى الآمر رقعة في الكتاب النصارى من الأقباط يذكر أنهم قد أخذوا أموال الدولة واستولوا عليها وضمن أنه يحقق في جهاتهم ما يملأ بيوت الأموال‏.‏

فتقدم الخليفة بأن يمكن من الدواوين ويساعد على ما يخرجه من الحسبانات ولقب بالأب القديس الروحاني النفيس أبي الآباء سيد الرؤساء مقدم دين النصرانية وسيد البطريركية ثالث عشر الحواريين‏.‏

وكان الآمر لما انفرد بالأمر بعد القبض على وزيره المأمون وبقي بغير وزير دانت له الدنيا‏.‏

وكان معظماً كثير الجود إلى الحد الذي لا مزيد عليه فكثر الخير في تلك الأيام وفرح الناس بالفوائد وتردد المسافرون والتجار وجلبت البضائع وزاد الحاصل في الخزائن من كل صنف مضافاً إلى ما كان فيها وحسنت السيرة في الرعية وأباح للناس والجنود ما كان الأفضل حظره عليهم من الملبوس والتجمل فما برح الناس في خيرات دارة ونعم متزايدة إلى أن تمكن الراهب من الدواوين واشتد في مطالبة النصارى وضمن في جهاتهم الأموال وحملها أولاً فأولاً وكان قد حصل لهم في أيام الأفضل والمأمون ما يزيد عن الوصف‏.‏

فلما تمكن الراهب من النصارى واستطاب ما فيها ركب الآمر لينظر جوسق البغدادي أبي الحسن علي بن محمد بن سعدون بالقرافة فإنه كان من أحسن جواسق القرافة وأفخرها بناء فلما قرب منه سقط عن فرسه إلى الأرض فهنئ بالسلامة وقيل في ذلك عدة أشعار‏.‏

 سنة إحدى وعشرين وخمسمائة

فيها أحضر الموفق في الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نجيب الدولة داعي اليمن الذي سيره الوزير المأمون بن البطائحي فدخل في يوم عاشوراء على جمل بطرطور ومعه مشاعلية بهيئة ملائكة وخلفه قرد يصفعه وهو يقول بقوة نفس‏:‏ والله لا ألتفت‏.‏

فأدخل خزانة البنود وسجن مع المأمون‏.‏

فيها كثرت مصادر الراهب للكتاب والعمال وتسلسل الأمر إلى التجار وأرباب الأموال وندب معه مقداد والي مصر وسعد الدولة والي القاهرة للشد منه فتنكد الناس وخرج كثير من أهل مصر إلى الآفاق‏.‏

وأخذ الراهب يحسن للآمر أن يحمل إليه مال الأيتام من مودع الحكم‏.‏

وفيها مات قاضي القضاة جلال الملك تاج الأحكام أبو الحجاج يوسف بن أيوب ابن إسماعيل المغربي الأندلسي وكان أولا قد أقرأ المؤتمن أخا المأمون القرآن والنحو فولاه قضاء الغربية ثم نقل منها إلى قضاء القضاة بعد واقعة ابن الرسعني بوساطة المؤتمن‏.‏

واستقر بعد وفاته في قضاء القضاة أبو عبد الله محمد بن هبة الله بن الميسر القيسراني‏.‏

وكان أبو الحجاج عاقلا‏.‏

عرض عليه الآمر أن يلي الدواوين مضافاً إلى ما يتولاه من قضاء القضاة والمظالم فاستشار في ذلك بعض أصحابه فأشار بالقبول فقال‏:‏ إني لا أحسن صنعة الكتابة فقال له‏:‏ تجعل بين يديك من يوضح لك الأمر والتدبير ويدلك على سر الصناعة‏.‏

فقال‏:‏ ألا ترى إلا أني قد رضيت أن أكون من الأسماء النواقص التي لا تتم إلا بصلة وعائد واستحضرت من يدلني على ما أجهل فكيف أصنع بين يدي السلطان لقد حكمت إذاً على نفسي بحكم حيف وأوردتها خطة خسف‏.‏

وحمد الله‏.‏

 سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة

فيها وصلت رأس بهرام الباطني‏.‏

وكان طغتكين أتابك الملقب ظهير الدين قد وهب له بانياس خوفاً من شره فأفسد جماعةً بالشام وجرت له خطوب آلت إلى قتله وحملت رأسه إلى الآمر‏.‏

وفيها رتب قاضي القضاة أبا عبيد الله محمد بن ميسر مشارفاً على ثقة الدولة ابن أبي الرداد في قياس الماء وعمارة المقياس وعمل مصالحة فاستمر إلى أن قتل ابن ميسر ثم بطل فلم ينظر أحد في هذه المشارفة‏.‏

وفي رجب عمل للآمر في الخاقانية وكانت من خاص الخليفة قصر من ورد فسار إليها وحده بضيافة عظيمة‏.‏

فلما استقر هناك خرج إليه أمير يقال له حسام الملك أحد الأمراء الذين كانوا مع المؤتمن أخي المأمون في سفره في البلاد التي كان يتولاها وتخاذل مع ابن السلار عنه وهو لابس لأمة حربه والتمس المثول بين يدي الخليفة‏.‏

فاستثقل ما جاء به في ذلك الوقت لأنه مناف لما فيه الخليفة من الراحة والنزهة فمنع من ذلك وصد عنه فقال لجماعة من حواشي الخليفة‏:‏ أنتم منافقون على الخليفة إن لم أصل إليه وهو يطالبكم بذلك ويعاقبكم عليه‏.‏

فأطلعوا الخليفة على أمره فأمر بإحضاره‏.‏

فقال‏:‏ يا مولانا لمن تركت أعداءك يعني المأمون وأخاه هذا والعهد قريب أأمنت الغدر فما أجابه إلا وهو على ظهور الرهاويج من الخيل فلم تمض ساعة إلا وهو بالقصر يمضي إلى مكان إعتقال المأمون أخيه فوجدهما على حالهما فزادهما وثاقاً وحراسة‏.‏

فلما كان في ليلة العشرين منه قتل المأمون وصالح بن الضيف وكان من نشو المأمون وقد سجن معه وعلي بن إبراهيم بن نجيب الدولة المحضر من اليمن وأخرجوا إلى سقاية ريدان في الرمل قبالة البستان الكبير خارج باب الفتوح فصلب أبدانهم بغير رءوس وفي صدر كل واحد رقعة فيها اسمه‏.‏

فبلغ الأمر الناس فشكوا فيهم وقالوا‏:‏ هم غير المذكورين‏.‏

فأمر بإخراج رءوسهم وأقيمت على أبدانهم‏.‏

فيها كانت ولاية ابن ميسر القضاء في ذي الحجة على ما ذكر بعضهم وقيل بل كانت كما تقدم ولقب بثقة الدولة القاضي الأمين سناء الملك شرف الأحكام قاضي القضاة عمدة أمير المؤمنين أبي عبد الله محمد بن القاضي أبي الفرج هبة الله بن ميسر‏.‏

فلازم الانتصاب والجلوس واعتمد التثبت في الأحكام وعدل جماعة فبلغت عدة الشهود في أيامه مائة وعشرين شاهدا وكانوا دون الثلاثين‏.‏

ثم وردت إليه المظالم فاستوضح أحوال المعتقلين وطالع بهم الآمر وكان فيهم عدة قد يئسوا من الفرج فاستأذن الخليفة وأفرج عنهم‏.‏

وتكلم مع الآمر في أمر التجار وما نزل بهم من المصادرات فأمر الخليفة بكتابة منشورهم في معناهم قرئ على المنابر‏.‏

فيها كثرت وقائع أهل القسر على الناس وتقرب كثير من الكتاب الظلمة بعورات الناس إلى الخليفة فاشتدت مطالبات الناس بالأموال وقبل قول كل رافع شيئاً على أحد وأخذ الناس بما رموا به وضمن عدة من الناس أشياء لم تجر عادة بضمانها وأحدثت رسوم لم تكن فيما تقدم‏.‏

وذلك أنهم لم يقدروا على تصريح القول بالمصادرة فعملوا ما ذكر فحصلت الشناعة وخرج من بالبلد من التجار‏.‏

وكثرت مصادرات القاطنين بمصر والقاهرة وعظم قدر ما حمل من أموال هذه الجهات‏.‏

فاتسع عطاء الخليفة حتى وهب يوماً لغلامه برغش المنعوت بالعادل ثمانين ألف دينار ثم سأله بعد مدة يسيرة عما فعله فيما وهبه فقال‏:‏ يا مولانا تصدقت ووهبت أكثر‏.‏

فأعجب ذلك الآمر وفرح وشكره على فعله‏.‏

ووهب مرة لغلامة هزار الملك جوامرد المنعوت بالأفضل مثل ذلك‏.‏

وكانا أخص غلمانه وأقربهم منه وأشرفهم عنده منزلة وكانا أسمح خلق الله وكان الناس في أيامهما لا يوجد فيهم من يشكو الفقر لا بمصر ولا بالقاهرة فإن هزار الملوك كانت صدقته في كل يوم جمعة راتباً قد قرره بالقرافة أربعة آلاف درهم في ألف كاغدة على يد الثقة ابن الصعيدي وغزال الوكيل وكانت عطاياه من يده لا تنقص عن عشرة دنانير أبداً ولا يخلو ركوبه إلى القصر وعوده منه من أحد يقف له ويطلب منه‏.‏

وكان برغش يعطي الجمل الكبار التي يغني بها الطالب من المائة دينار إلى المائتين وأكثر‏.‏

وبلغ علم التي يقال لها جمعة مكنون الآمرية أن الآمر سيدها قد وهب لكل من غلاميه المذكورين ثمانين ألف دينار وكان الآمر يحبها وأصدقها أربعة عشر ألف دينار وولدت منه ابنة سماها ست القصور فلما دخل عليها عشية اليوم الذي وهبهما فيه هذا المال قامت وأغلقت عليها مقصورتها وقالت‏:‏ ما تدخل إلي أو تهب لي ما وهبت لكل منهما‏.‏

فقال‏:‏ الساعة‏.‏

وأحضر الفراشين وحمل كل عشرة كيساً فيه عشرة آلاف دينار عينا‏.‏

فلما صار إليها هذا المال ومبلغه مائتا ألف دينار ذهباً فتحت الباب له ودخل‏.‏